أمريكا: حلف الأطلسي ناقش الاحتفاظ بقوة في أفغانستان بعد عام 2014 | أخبار عالمية | Reuters
يجب، جسب رأيي، التمييز من البداية إلى النهاية و بشكل منهجي واضح بين الحرب على ضحايا التجنين الديني و أدواته و الحرب على المافيات الدينية و غير الدينية. فالأكثر جدوى من الإبقاء على آلاف جنود الناتو في أفغانستان، أو في أي مجتمع متخلف آخر، هو القضاء على المافيات و تقويض مصالحها الإقتصادية و علاقاتها المالية و تمكين الجماهير الشعبية من منظومة تعليمية حديثة شاملة ذات مواصفات بيداغوجية راقية و معتمدة بالكامل على التكنولوجيا الرقمية و الإنترنات.
تلك المجتمعات البائسة ليست في حاجة للمزيد من البؤس يحققه لها المزيد من الإقتتال. إنها في حاجة أولا للإنعتاق من إقتصاد المافيات و ثانيا للحصول على أنظمة تعليمية تربي الأجيال على قيم العقلانية و على الفكر العلمي و على حقوق الإنسان المحددة في مواثيقها العالمية. فهذه الحرية المضادة للفساد و هذه التربية المضادة للميتافيزيقيا هما الشرط المزدوج الأهم لتطور المجتمعات و ثقافاتها بما يلائم العصر الحديث و مقتضيات التنمية.
هذه هي المسألة في ثنائيتها الأساسية: شفافية تستأصل الفساد و شبكاته المافياوية، و تربية حديثة تستأصل الإيديولوجيات الغيبية و التغبوية و التجنينية و الإستعبادية من جذورها و من أسبابها و من العوامل المؤدية إليها. المسألة ليست مجرد حرب ضد هذا التيار السلفي الذي يظن أنه ينفذ تعاليم سماوية و طقوسا ربانية، أو ذاك الفريق الجهادي الذي يظن أنه من المبشرين بالجنة و أن غيره مصاب بمس من الشيطان أو من الجن الكافر. المسألة إذن هي إنقاذ المجتمعات برمتها من هذا الجنون الجماعي المتمثل في أقدم حرب نفسية شاملة تسمى ميتافيزيقيا إنقاذا حقيقيا عبر تمكين عامة الناس من بدائل أخلاقية منطقية عقلانية علمية تكون مجسدة لهم في نماذج سلوكية و في قدوة شخصية و في معالم إجتماعية و سياسية تغنيهم عن الغيبيات و تشفيهم من الميتافيزيقيا و تنصرهم على المستفيدين من التخلف. و هذا الإصلاح الجذري لا يتحقق بالحرب على ضحايا التجنين الديني رغم أنهم أدواته و بيادقه الإجرامية إجراما شنيعا ضد أنفسهم كما ضد غيرهم، لكن ثنائية القضاء على إقتصاد المافيات و تطوير التعليم تستطيع إنجاز هذا الإصلاح و ربما تحقيقه بأفضل مما هو مبين في هذا الرأي الموجز. هل يفهم خبراء الإستراتيجيا في حلف الناتو هذه المقاربة؟ لا أدري. هل تفهم الشعوب هذه المقاربة؟ لا أدري أيضا. هل تفهم الجماعات المسلحة المتقاتلة هذه المقاربة؟ لا أدري أيضا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق