يبدو أن السبب الأكبر لإستفحال و قوة الفساد الإجتماعي و
السياسي و الديني هو أن المافيات تقدمه في شكل تسلية و ترفيه و لعبة . و تتمثل هذه
اللعبة أساسا في توزيع أدوار بين من يهدد و من يدعي التطمين، و بين من يفضح و من
يتظاهر بالتستر، و بين من يهين و من يزعم الإحترام. يبدو أن هذه هي الطريقة التي تجعل
الشعوب مغرمة بالفساد و عاجزة عن التخلص منه و متشبثة بالاتكتم عليه حتى عندما
يؤدي بها إلى أشنع الحروب الأهلية. فكل شخص مقهور يتمنى، ليخدر نفسه و ينسى مصيبته،
أن يقهر غيره بأي شكل و بأية تعلة. و المافيات تستغل هذه الرغبة لتسيطر على الجميع
من خلال إدارة حرب مفتوحة لكل من يريد أن يشارك في أي تخريب أو تشويه أو تسلط أو
إذلال أو ما شابه ذلك من إنتقام الجميع ضد الجميع ، سواء بذرائع واقعية أو خيالية
أو بدون أية ذريعة إطلاقا . و هذا هو تجنين الشعوب و تغبيتها و إستعبادها .
يبدو أن هذا هو السبب الذي يمنح لمن يمارس الإجرام المنظم
حصانة شعبية كاملة شاملة دائمة . فهو محمي لأنه الوسيلة المضمونة للتنفيس عن
الأحقاد و العقد النفسية . إنه بهذا المعنى سلطة شعبية لا تقتصر على كونها تتحدى
القانون و تحوله إلى مهزلة ، بل إنها تستخدمه كأداة لفرض الإجرام على السياسيين
عموما و المثقفين خصوصا لتحقيرهم في نظر عامة الناس، و تحويلهم إلى فرجة سرية و مضحكة
عائلية و فضيحة إجتماعية و مسخرة ماخورية تستوجب الشماتة حينا و الشفقة حينا آخر و
الضحك في مجمل الأحيان .
قد تظهر هذه الإشكالية معضلة لا حل لها . لكن الحل الأخلاقي
و الوقائي و التربوي موجود و متاح للجميع لدى منظمة الشفافية الدولية و لدى مؤسسات
عالمية أخرى متخصصة أيضا في محاربة الفساد و المافيات .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق