الفساد و السلطة الترفيهية و الآيتان الرابعة عشر و الخامسة عشر من سورة التوبة
ما دام الفساد يعتبر لدى بعض الفئات نظاما عاما و تسلية و ترفيها و ضريبة عقائدية و ربما أيضا رياضة وطنية فإنه لن يزول أو يتراجع أو يتقلص بهذه الثورات أو بغيرها. قد تتغير بعض أشكاله الظاهرية الأقل بروزا لكنه في الأساس لا ينفك في تزايد من سيء إلى أسوأ. قد تنقص قضايا الرشوة على سبيل المثال في بعض الظروف. فهي بطبيعة الحال ليست مثيرة و ليست لعبة. لكن كيف يمكن للشعوب (أو لبعض فئاتها) أن تستغني عن تصنيع الفضائح و المساومة بها و التستر عليها و الإبتزاز بها في حين أن تلك الصناعة الخسيسة أخلاق الهمج؟ كيف يمكن إنهاء هذه التقاليد السياسية و الإجتماعية المزرية في حين أن المشرفين على تصنيع الفضائح يعتبرون لدى الأنذال الأغبياء سلطة مقدسة و موضع إحترام و تبجيل و إجلال؟ إنها فعلا سلطة ترفيهية للفئات المهانة الباحثة عن إعادة إنتاج مهانتها و ذلها و خزيا بأية تبريرات أو ذرائع (قاتلوهم، يعذبهم الله بأيديكم، ويُخْزهم، وينصركم عليهم، ويَشْفِ صدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم ((التوبة: 14 – 15). و رغم إستفحال الهوس الشعبوي بالقصص الفضائحية و ما يتصل بها من توزيع و إقتسام أدوار تخريبية و تصليحية و تهديدية و تطمينية يظل بالإمكان في حدود معينة أن نتوقع تطور الوعي لدى عامة الناس و لو بالتدريج البطيئ و على مدى الأجيال المتعاقبة. أتوقع إذن أن تتأسس بعد قرون كثيرة جدا شبكات متعددة و متنوعة للنضال في سبيل الشفافية و للقضاء على الفساد و الإجرام المنظم و المافيات. بل أتوقع أيضا أنها سوف ( تسويف ) تنتشر في كل المدن و القرى و في مختلف القطاعات المدنية و العسكرية و في جميع الأحزاب و النقابات. و إذا رجحنا التفاؤل و الرومانسية الثورية و أحلام اليقظة فقد نختزل القرون في حوالي مئة قرن فقط. دمتم في فساد آمنين هانئين سالمين حالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق